في ضِيافة الشّهْر الفَضيل







اللحظات التي تنهي اليوم ، تلك التي يغزوك النوم وانت تقفل عودة إلى عالم الاحلام ، وتير الفراش يحملك بعيداً ، تقاوم قليلاً طمعاً بحلم يلون عالمك القادم ، وراحة وسكينة تنتشي الجسد ، ويرتحل الجسد !

 اليوم الجديد ذلك الذي يعانق خطوط الفجر القادم ، وتدب الحركة أرجاء المطبخ بحثاً عن وجبة تسد جوع نهار بطوله ، أجل هي وجبة السحور ، الوجبة الاولى لكل يوم رمضاني تبدأه ، وهي حال كل منزل يجاورك ، وبين فكرة محاربة النعاس والغوص بهذه الوجبة ، وسباق الوقت قبل حلول موعد الاذان ، الذي يعلن رحلة الصيام الروحانية ، ونمتنع حينها ، نتذوق شكل الصبر بكل اوجهه .

 الساعات تمضي ببطئ ، يثقلك سريانها العاجز هذا ، ويضجرك في لحظة وأخرى ، ولقتل الوقت فالسلاح في اثنين ، إما بين صفحات كتاب الرحمن ، أو بين نار قدور المطبخ وملاعقها ، وكلاهما فيه قتل للوقت ، وترجمة رحيمة للوقت عصي المضي !

 حين تستشعر الايات بين يديك ، وكل تجويد يخرج من جوفك وكأنك تخلق فقاعة كبيرة حولك ، تبعدك كل البعد عن كل ما حولك ، وبين محاولتك تفسير الايات وعيش معانيها عميقاً ، عند كل سورة وجزء ، وأشكال القصص القرآني تحملك بعيداً ، تداعب مخيلتك كما لن تداعبك أي صفحات على وجه الارض !

 يعلن الجوع وجوده ، يستدرجنا لولوج المطبخ بحثاً عن وجبة يمكن صنعها بأقل الدقائق تقارباً ، وأقل مجهود مبذول ، وبين الملاعق المعيارية ، وبين لوح التقطيع ، والقفازات التي لابد من ازدرائها بعد كل عملية ، وتحريك ملعقة الخشب التي غارت بشكل آخاذ في قدر مغمور بأشهى وألذ الروائح المنبثقة ، وهو ما يخيله له عقلك في خضم حملة الجوع المتحكمة !

 يبدأ سباق الزمن ، وتبادل أشكال الاطعمة والتحايا والتبريكات ، بين أشخاص رسموا محبة في صدرك منذ عهد مضى ، وتلقى في تلك الصحون رمزاً لأشكال الوفاء والحب ، تتسابق الدقائق ، يصطف معها كل نوع من ألذ الاطعمة على طاولة مصفوفة بأبهى زينتها ، تنتظر كما حالنا ، وتلك الدقائق يقتلها الصبر ، وتنهار شيئاً فشيئاً ، ليعلن الآذان موعدها المحتوم ، موعد انتهاء يوم آخر من رمضان الجميل ، ننهيه بحبة تمر ننفث عليها دعاءاً ، وفي القلب تكتظ ادعية أخرى مع اختها ، ثم تترجم كل اشكال الصبر بتذوق أشكال الاطعمة .

 يطول المصلي في صلاته ، ورغم طولها فلذتها تكمن هنا ، وكل أنواع الروحانية تستشعرها في الارجاء ، ويجمع الجميع على الاستماع بسكون لتجويده ، والدخول رغماً عنك في عمق هذه الصلاة ، وللتراويح ذكريات من زمن الطفولة لايمكن لبضع سطور وصفها ، غير أنها ساحرة بشكل إيماني !

 ويقارب اليوم على توديعه ، يعلن تناقص الشهر الفضيل ، ومع كل يوم ننغمس فيه ننسى أن الايام التي تمضي تعلن قرب رحيله ، وحين يرحل نودعه بحزن شديد آملين أن نلقاه العام القادم نحن مع من نحب .

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تراسَل عبر برنامج Slowly !

ما مِنْ خَوْفْ !

أبطالٌ خارقين