بهْجتي وسُروري

منذ اللحظة التي طالعت فيها السقف ، وشعور بأن هذا الكائن الصغير يرقد بالقرب مني ، صوتها ، حركتها ، ثم عينيها ، أما ملمس يديها التي أعادت مساحة الإحْساس في أنامِلي ، أحْمِلها ، أدفنها بين أحْضاني ، وكأنّ أمان العالم اْجتمع في جوْفي !

 " بهْجتي وسُروري " إنْ كانَ لِلقبٍ أنْ يَليق بِمقامِ صغيرتي فهْو إسْمُها الأول الذي في فحْواه يحْمل كلّ معاجِم البهجة وأشْكال السّرور اللطيف ، لطالما كانت في جُعْبتي تِلك الرّغبة أن أضَع تجْربتي التي أخذَت أكْبر تحوّلٍ في حياتي ، وأولى الابْواب التي أُفرجت مغالِقها نحو ذاتي ، والفاصلة الثانية في حياتي ، تلك التي قلّبت كل المقامات وأرْست كل معادلات النهايات ، فكان لابد من الغرق وصولاً للقاع حتى ترتقي رويداً ، للنجاة ، للوصول حتى السطح .

أولى الاشهر حملت طابع الاثر الجسدي الخائر القوى ، مُجهد في غمرة التّشتت ، وبؤس يقبع في أيسري ، وكنت أردد " ما تعسّرت إلا تيّسرت " وداخلي صوت ينادي قليلاً من النجدة والطلب كفيلةٌ بتحْجيم ما يمر ، ولكن وا أسفي على كبرياءٍ أحب الشّقاء لنفسه !  

أشهر المنتصف حملتْ اخباراً قرَعت قلبي رُعباً لآخر يوم ، بين صحّة طفلتي وبين نتائج لم أْحسب لها حِساباً ، كلُّه وقع عليّ وقع الصّدمة ، كان لابدّ من التّماشي مع كل التّغييرات المُصاحبة ومحاولةٍ لحلّ جُذور الخللِ الحاصِل ، مرّت ببطء ، حتى النّوم والرّاحة غادروني ، وانْتهت أشكال البهجة والسرور ، كنتُ أبْحث عن موعدِ اللّقى ، اسْتجديه رغبةً في انْهاء الصّراع القاسي معَ الزمن ، وأنّ موْعده ما إن اقْترب تلاشى فيه مُصابي .

 وحين بدأ العدّ التّنازلي ، لم تجْعل الطبيبة الامْرَ سهْلاً ، حتى اللٌقى زادوه صُعوبة ، فكان لابدّ من البحثِ عن وسيلةٍ لِلُقاً دون الدّخول لغرفة العمليات ، وبين عدّ الايام ومجاراةِ لأساليبَ لا تمتّ للطبّ بِصلة ، أنْزل الله رحمته عليّ ، ولأنّ تِلك السّاعات تحوّلت لسُويْعات تقلّصت سريعاً دون وعيٍ سِوى اللّحظة التي أدْركت فيها أنّها تبْعد عني بِضع آمْتار ، أراقِبها بتفحّصٍ شديد ، ورغبةٍ بمُعاتَبتِها ، لم كل هذا الإعْلانِ الوُجوديّ عزيزتي !


 والْتقيْنا ، كما يلتقي الزّبد بِشواطئ الجِنان ، وللوهْلة الأولى شعرْتُ أنّ كُلّ مَصاعِبي ارْتحلت من صدْري ، إلى أيْن ؟ لستُ أدْري ، ولكن صوْتها المخْنوق وحركتَها الصّغيرة أثارَتْ جُنون أمومَتي ، ولمْ أكْْبِح جِماح سُكري ، احْتضنْتها للمرّة الأولى ، وإلى هذه اللّحظة وأنا اسطر ، هي الذّكرى التي كُلما مرّتني اسْتشعرها بكلّ ما وُجد من لمْسةٍ ونظرةٍ وأحاسيسَ لوّنت داخلي .

 ولما تلى هذه الأحْداث ، كانت ولازلت هي منْ تقْطع كلّ سببٍ للحُزن من صدْري ، تمْسح الدّمع عن مُقلتي ، تخْتبرني في غضبي ، وتأْسِرُني في لحظة يأسٍ بابتِسامتها ، فهل من عاشقةٍ أجْملُ من سُروري الصغيرة !

 المشاعِر التي قادَتْني في كل ذاك العام رأيتُ خلاصَها في كلّ ما حملتْهُ طفلتي لي في حياتي ، واذْ أنّ بهجَة المرءِ قدْ تكْمُنُ في مخلوقٍ صغير ، وربّما ما خفّف وطْأة كلّ تِلك الأشْهر الجائِرة هي اللّحظات الطويلةُ منَ مراقبتِها ، في نوْمِها ويقَظَتِها ، في عيْنيْها التي تبْحثان عنّي ، وفي لمْستِها التي تُداعب أُمومَتي بحبٌٍ فاخِر ، أيودُّ أحدُهم مقارنةَ أشْكالِ الحُبّ بِحُبًّ كالّذي أمْلُكُه ؟

 تجْرُبتي في المشاعر التي خُضْتُها كانت أعْمق من كلّ تجْربةٍ جسديّة تمثّلتْ في تِلكَ الفتْرة ، إنّما اسْتطعْتُ أنْ أخْرُجَ بنتيجتي التي أعْتبرُها قد تُعّمم ولا أُوجّهها أنّما أطْرحُها للفائِدة .

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تراسَل عبر برنامج Slowly !

ما مِنْ خَوْفْ !

أبطالٌ خارقين