جريمةٌ من جيْب الذّكرى

 


الذكريات من زمن الطفولة لها طابع فكاهي ساخر ، حين تمر عليك إما يكسيك الخجل من أفعال طفولتك أو تحاول بجديّة كتْم ضحكاتك من فعل ما أمتزج بكل أنواع الجنون ، وهو جنون جميل مليء بالبراءة ، وغالباً الجميع تمر عليه الكثير من هذه الحافظة ، وتمرّني هذه الذكرى الأخيرة لموقف لم تستطع سنواتُ العمر أن تُزيله بأي شكل ، بقيَ حاضراً في ذهني كمُقدمة لمجموعة من المغامرات المضرجة بأشكال التّمرد ، ربما البدايات كانت هنا !


الغرفة على اليمين وحيث ذلك الدّولاب العملاق الذي يكتسي حُمرة اللون الخشبي ، أغلب أقفاله استدعي استبدالُها بشكل دائم وعلى فترات مُتتابعة ، وسط الغرفة انهارت مجموعة من المعاطف بشكل عشوائي وكأن انهياراً من الملابس تدحرج من الدولاب ، وهو بفعل فاعل اختفى أَثرُه بعد فعْلته ، وقفت على عتبة الغرفة الصغيرة أشاهد المشهد وعيني تدور بحرص الطفلة عن المعطف المطلوب ، جميعها سبق ارتدائها ولكن أيّها سينال شرف ارتدائي هذا العام ، خصوصاً بعد إتمامي العام السابع ، وهو شرف لن يناله أي معطف ، مع طول هذه الحال وقع الاختيار على معطف بني بزرين مفقودين وسحّاب متداعي ، لكنه كان يفي بالغرض ، حين ارتديته كانت أطراف اليدين تفوق أصابعي طولاً ، في محاولة بائسة لجعله يُتم المقاس المطلوب ، وكانت محاولة جد مجهدة ومثبطة للعزيمة !


انتهت المهمة الأولى بسلام ، خرجت بخطى شبه متعثرة من الغرفة ، خطوات تسابق إحداها الأخرى ، اتعدى الباب الاوسط ووقْعُ عتبتِه الخشبية اختفى منذ تلك الأعوام ، وما عاد لتلك العتبة وجود في الوقت الحالي ، اتخطى الصالة العليا وقفت أمام الباب الحديدي تنفست رائحة المطر وملأت رئتي وكأنها الاولى ، وشهيق كهذا لا تكرره عملية التنفس اليومية ، وحوّلت نظري للساحة الامامية ببحث سريع ، سبقني الجميع وبقيت وحدي ، وربعت بخطى أسرع من الأولى ، أطوف مزرعتك الصغيرة ، بنخلتين صغيرتين لم تصل السقف المحاذي ، إحداهما اليوم رحلت وأثرها الظليل أزيل من تلك الساحة ، والأخرى أحْناها الدهر ، ومالت معها كل أحلامي ، أوصلتني تلك الخطى للباب الخلفي ، يومها لم يكن يحمل صوت نعيق الغراب ، ولجت للمنطقة الخلفية ابحث عنهم ، حين رفعت بصري أود معانقة السماء برموشي ، هناك حيث المنحدر البعيد ، لذاك المكان مغامرات كتبها لنا المستقبل لم أيقنها حينها ، أعدت بصري للمساحة المليئة بالحصى واذ بهم يرتعون ويلعبون من دوني ، اخذتني الحماسة وانضممت لهم ، وعند ذاك السد ذي المتر طولاً وقفنا نشاهد تدفق الماء من أعلاه بشكل أدهش نظرتنا الطفولية  !


التحدي كان سهلاً للمتلقي ، ولكنه حمل كل أشكال الخطورة وقت التنفيذ ، وقفنا نحن الأربعة على حافة ذاك السد المتهالك ، وبحرص شديد مررنا والماء يتدفق بين أرجلنا العارية ، وتوازن كل واحدة منا كان يعلن اختلاله في لحظة وأخرى ، ولأنها دائماً كانت كبش الفداء في كل العمليات المجنونة ، كانت في المقدمة فانزلقت قدمها ووقعت في الماء الجاري ، حاولت احدى التوأمين سحبها ، في حين ركضت الاخرى تستدعي النجدة ، أما أنا وقفت مندهشة في ظل كل ما يحدث !


لحظات الحماس وارتفاع الادريلانين انتهت مع توبيخ والدتي ، تلقينا جيشاً من الشتائم وأشكالاً متعددة من العقاب ، فيما كنت أبتي تبتسم في تلك اللحظات ، وانفجرت ضاحكاً حين اغرورقت أعيننا بالدموع ، ولست أعلم لم ينتابك الضحك من كل تلك المغامرات المجنونة التي نقوم بها ، أما أمي فهي تمسك رأسها تارة من الفاجعة وتارة من هول مصابها بما فعلناه .


حتى وأنا أحمل عاتق أمومتي على ظهري ، لازلت استحضر سلوكك الحاني ، وأجدني أنظر لأفعال ملائكتي بنظرتك تلك ، ينتابني الضحك بعد سلسلة من جرائمهم الصغيرة ، وعلمي أن دور أمومتي لا يقتضي في التوجيه فقط إنما أترك جزءاً من التمرد للتحليق ، وعهد مضى في ظلك وددت أن أظلل به ملائكتي .

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تراسَل عبر برنامج Slowly !

ما مِنْ خَوْفْ !

أبطالٌ خارقين