دهْشة !

 




تلك الصرخة الصغيرة وتوسّع عينيها أسَر اللحظة المزحومة ، ولازالت حركة اليدين ترسم ضحكة مخنوقة ، وأثر الدهشة اللحظي آسرٌ للوقت الماضي ، وجمال صوتها المبالغ بالنضج أَثار حفيظة هدوئي ، وحجم عينيها الذي توسّع في ثوان أخذ جزءاً من عقلي ، تظلّ صغيرتي في عُمر الدّهشة ، وعلمي المحدود لازال يجْهل كم نعيش من هذا الزمن في عمرنا المنقضي !


دهشتي لازالت قائمةً حتى بعد مرور ثلاثة عقود ، وإن كانت قليلة للسنوات الاخيرة ، ولكني لازلت أجمع في ذاكرتي لحظات دهشتي بخفة الطفل السعيد ، اكثرها بساطة لحظة رسمت لوناً من السعادة ما عاد يُمزج في أيامنا هذه ، ولكن فكرة مرورها بشريط ذكرى قديم لازال يُنعش شعوراً في قلبي ، وحُلماً جميلاً رسمته في عقلي ، واذ أن دهشة طفولتنا قادرة على تحديد مسارات حياتنا وإن كانت تلك المنعطفات الصغيرة يوماً أول مفترق الطرق .


الأشياء الأولى كذلك رسمت شكلاً من الدهشة الطفولية تلك التي تجعل للقلب جناحين ، وتزاحم بالصدر ألواناً من الفراشات ، وكلها أزهرت الحياة في أعيننا ، فكل شيء في طفولتنا ممتلئ بالحياة ، يزخر بالروح ، وان بدى لليوم بالياً لحد كبير ، قليل المتع ، شحيح الرحابة .


ربما يعود الفضل لدهشة الطفولة التي جعلت خلقة كل ما تمر أعيننا عليه موسوماً في عقولنا بأبعادٍ ضخمة ، تجعل من أقل التفاصيل عالماً كبيراً ، يأسر لب الطفل ، واذ بطفلتي التي أسرها بيت التلة الصغير ، لازالت دهشتها التي شهقت بها حباً تخرج ضحكة من شفاهي وتضجّ حباً بجمال طفولتها .
 
أحلامنا التي رسمناها من عيدان الكبريت ، ومن حجارة حديقة والدي ، وأهمها من الاقمشة البالية التي تركتها أمي خلف المطبخ ، جميعها أذاقتنا طفولة مليئة بالدهشة ، حطت أول ركائز الحياة ، وأهدتنا شكلاً من دروب الحياة ، كلنا على سواء دهشته الأولى هي أول معالم هويته ، وأحد أهم الاسباب التي صنعت ما نحن عليه اليوم .

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تراسَل عبر برنامج Slowly !

ما مِنْ خَوْفْ !

أبطالٌ خارقين