وجهة القلب
تجربة جديدة ، مدينة جديدة ، مشاعر تعاش للمرة الأولى ، هو أقل ما يمكن أن اصفه وأنا ارتب الجمل التي ابدأ بها هذه التدوينة ، ورغم أنالايام الماضية كان لبها في الشعور الداخلي اكثر من تجربة الزمان مكان ؛ يخلق في داخلك مشاعر متدفقة بشكل قوي ، تخرجك من اطارالزمن ، والمكان الذي يدور تحت قدميك يذوب وتنطوي فيه ، فالشعور هنا غلب كل الارصفة الممكنة للوصف !
الخطوات الاولى التي رسمتها على تلك الأرض انغرس عميقاً في احساس البرودة ، وهو ما لا يعاش في فصل الصيف ، ولأنه الاقتراح لبدايةالزيارة وليس ما كنت أرغب به ، ولكن لابد من فتح المجال للجميع للطرح والاختيار ! وهنا بدأت رحلة استكشاف الذات الحقيقية ، لطالما كنتمؤمنة بأني انسانة ولدت في اجواء الربيع ، واعشق الربيع الذي تتزين به الشمس في كبد السماء ، وتتاخذل فيه الغيوم عن الاتحاد والتجمع، وهو شعوري الذي بدأت فيه طفولتي واجتمعت معه كل ربوع مراهقتي ولازلت أجد اللذة وأنا اراقب اشعة الشمس تلامس اطراف اصابعي، ربما تكون هذه حالة العشق الأول ! ولهذا الاكتشاف العظيم بدأت رحلة الوقت صعبة عسيرة ، وكنت انتظر انتهاء هذه الايام التي اكتستبالبرودة والمطر واهمها غياب عنصر الضوء الذي خلق في داخلي فقداناً شديداً لشعور الصيف الحقيقي .
ودعنا تلك الايام الماطرة ، والسحب الداكنة ، والجلبة الكثيرة التي احتشد بها ذاك الوادي الصغير ، ودعته بكل تجاربة الصغيرة والضحكاتالمتقدة ، وتمسكت جيداً بحماس الطفلة بداخلي اترقب المدينة الكبيرة ، التي تعتلي الشمس على صروحها ، بمآذنها العريقة ، ببروجهاالخلابة ، واكثر ما كان يشدني إليها ، ساحلها الذهبي ، ورغم الحرارة التي بدأ الجميع يتذمر منها إلا اللحظة التي كنت أعيشها لم تختل ،ولم يشبها أي شلل ، لازالت اسطنبول الوجهة الى القلب ، وهنا اكتشاف آخر للذات ، أعشق الآثار القديمة ، وأحب الى قلبي أن كل معلميحمل في قفصه حكاية مطوية ، وكل تلك التفاصيل في آثارها تدهشني ، تخلق شعور الاعجاب والانغماس الشديد ، ولا يكلله ملل .
مشهد الغروب على برج غلطة كان لابد أن يعاش مرتين ، ولم تسنح الفرصة سوى لمرة وحيدة ، لتلك اللحظة اكتفي ، وربما لأعوام قادمة تحمللي لحظة آسرة أخرى ، عنصر من الدهشة بين ممرات البرج وغروب الشمس على ساحل اسطنبول ؛ شوارع الليل وانوار جسر البسفورشقية تأسر لب الفؤاد ، ترسم ابتسامة لطيفة على الثغر ، ولا تقوى على مقاومة هذه المناظر ، حتى في خضم ازدحام اسطنبول ، ذلك النوعمن الحياة الذي يزدحم معها شعور الاستمرار ، أما المشي في أزقتها فهي قصة أخرى ، والالتقاء بالباعة والمرور بأسواقها يجذب فيك ألفةالقديم الذي عاد لمكانه ، ولا صلة لمسقط الرأس ، هي مشاعر مجنونة تولد بداخلك ، تخلق انتماءاً لما ليس لك ، وهو ما نشأ منذ اعوام لهذهالمدينة الساحرة !
ملمس السجاد ورائحة ممزوجة بالحنين ، الجدات اللاتي وزعن الحلوى بعد انتهاء الصلاة ، وخلوة جميلة مع الذات تحت تلك الثرياتالضخمة في آيا صوفيا ، مذهلة خلابة ، ما كنت لأصف مسجداً بجمالها ، دقائق التأمل لا تتمنى انتهائها ، حملت ساقي اجرها وانا اخرجبامتعاض شديد ، حقاً وددت البقاء اكثر من ذلك ، ولكن كان لابد من السعي والمواصلة ؛ مررت بكل تلك الساحات ، ولكل ساحة كانت هناكلمسة مختلفة ، تاريخ مختلف ، وحكاية لا يعلم باطنها الجميع ، شيء قاصر نجهله يلفه غموض تشعره ولا تراه ، هكذا تعاقبت الايام بين تلكالجوامع ، الخروج منها كان رحلة مذللة بالدهشة من فرط الجمال ، اظل التفت لأخر الدرجات ، اودع تلك النوافذ ، القي نظرة اخيرة علىحديقة كل جامع واشجار اعمارها فاق عمر البشر ، وفي عقلي عن عدد الحكايات التي شهدتها ، وكل شعور روحاني تولد بداخلي على كلارضية ، مختلف وجديد ، وهنا لحظة ادراك عميقة ، حول ذواتنا الصغيرة ، ونفوسنا الضئيلة ، حوار الذات حول هذا الصرح وكل ما حمله مندعوات استجابت في يوم وأجلت ليوم آخر ، الى حين موعدها .
ليلاً المشي بين الأزقة المليئة بالسكون ، الجلبة التي تحدثها الحشرات المضيئة ، واصوات الكائنات الصغيرة كالقطط يجعل من الطريق رحلةخالقة للسكينة ، فالنهار وسط زحمة اسواقهم الشعبية صوت ابواق العربات مربك ولكنهم معلن لشكل الحياة القائمة ، وفي الشوارع الخلفيةحيث يكتنز الباعة ، رائحة البهارات اثناء سيرك مسكرة للروح ، تهافتهم لبيعك ما يستعرضون وتلك الابتسامة لا تختفي على وجوههم ، وهوشكل من اشكال الحياة الحقيقي ، ربما قد يتكرر في ارض اخرى وبلاد ثانية ، ولكن هنا ولتلك اللحظة حمل في جعبته في ذاكرتي الكثيرمن الحياة المضرجة بالالوان ، وشعور بالشغف والسعي للعيش بشكل مستميت ، كل تلك الشخوص التي كانت تعبر وسط الزحام ،والاصوات المتكدسة ، والشمس التي تشرع لك بسقوط الظل اطول مدة ممكنة ، هذه المدينة فيها شكل من الحياة لا يهدأ ، ولا يطاله صمت ،وهو مليئ بالألوان الحية !
وداعي لها كان حاراً جداً ، حتى مع ارتفاع الحرارة على المؤشر ، اطلت النظر كثيراً ، حاولت حفظ تلك المعالم خلف عيني ، بين جيوب ذاكرتي ، وكثيراً ما خزنت من المشاعر المتقدة نحو كل الاماكن التي تشاركت معها لحظة سكون ، خفة الشعور ، ونظرة حاولت اشباعها قدر المستطاع ، ولازلت عطشى للمزيد منها ، ولكن حيلولة الوقت حتمت علينا الوداع ، فكان لابد من تلويحة قصيرة لمدينتي الساحرة ، والكثير من الامنيات التي علقتها على مآذنها ، وأمل العودة على سطح برج غلطة ، كان وداعاً لا يعقبه وداع لأي مدينة أخرى .



تعليقات
إرسال تعليق